سيد قطب

2193

في ظلال القرآن

الروم أمد ، فسار إليهم في آخر الأجل . ( حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون ) فقال له عمر بن عتبة : اللّه أكبر يا معاوية . وفاء لا غدر . سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها » فرجع معاوية بالجيش . والروايات عن حفظ العهود - مهما تكن المصلحة القريبة في نقضها - متواترة مشهورة . وقد ترك هذا القرآن في النفوس ذلك الطابع الإسلامي البارز . وهو يرغب ويرهب ، وينذر ويحذر ويجعل العهد عهد اللّه ، ويصور النفع الذي يجره نقضه ضئيلا هزيلا ، وما عند اللّه على الوفاء عظيما جزيلا : « وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا . إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » . . ويذكر بأن ما عند البشر ولو ملكه فرد فإنه زائل ، وما عند اللّه باق دائم : « ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ » ، ويقوي العزائم على الوفاء ، والصبر لتكاليف الوفاء ، ويعد الصابرين أجرا حسنا « وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » والتجاوز عما وقع منهم من عمل سيئ ، ليكون الجزاء على أحسن العمل دون سواه . وبمناسبة العمل والجزاء ، يعقب بالقاعدة العامة فيهما : « مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » . . فيقرر بذلك القواعد التالية : أن الجنسين : الذكر والأنثى . متساويان في قاعدة العمل والجزاء ، وفي صلتهما باللّه ، وفي جزائهما عند اللّه . ومع أن لفظ « من » حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل : « مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى » لزيادة تقرير هذه الحقيقة . وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى ، وضيق المجتمع بها ، واستياء من يبشر بمولدها ، وتواريه من القوم حزنا وغما وخجلا وعارا ! وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها . قاعدة الإيمان باللّه « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء ، وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته ، إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . والعقيدة هي المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعا ، وإلا فهي أنكاث . فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثا وغاية . فتجعل الخير أصيلا ثابتا يستند إلى أصل كبير . لا عارضا مزعزعا يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل . وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض . لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال . فقد تكون به ، وقد لا يكون معها . وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية : فيها الاتصال باللّه والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه . وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة ، وسكن البيوت ومودات القلوب . وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة . . وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل ، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند اللّه . وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة . وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا ، ويتضمن هذا تجاوز اللّه لهم عن السيئات . فما أكرمه من جزاء ! .